السعيد شنوقة

56

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

لقد أرجع الباحثون نشأته إلى أسباب كثيرة « 1 » : داخلية وخارجية . فالداخلية نتجت عن القرآن ذاته وطبيعة المسلمين أنفسهم . وأما الخارجية فمرجعها الثقافات الأجنبية والديانات الشرقية القديمة وإلى طبيعة العقل البشري نفسه . أ : الدوافع الداخلية : القرآن الكريم : يمثل المصدر الأول للدين الإسلامي عند المسلمين ، أخذوا منه معارفهم وأقاموا علومهم التشريعية والأخلاقية والميتافيزيقية . دعا إلى التوحيد والتوبة وعرض للفرق والأديان المنتشرة في عهد الرسول رادّا عليها ناقضا قولها ومعرّفا لمنكري الأديان والإلهيات والنبوات بأدلة مختلفة ، فذكر الشرك وردّ عليه كقوله : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] . وردّ على الذين ألّهوا عيسى عليه السلام : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] . وأبان الحجة في مسائل التكليف والجبر والاختيار ، وذكرنا عن طائفة من المنافقين يوم ( أحد ) أنّهم قالوا « 2 » : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [ آل عمران : 154 ] ، وقالوا : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا [ آل عمران : 145 ] ، وردّ عليهم في قولهم وأمر الرسول أن يدعو دعوته ويجادل مخالفيه فقال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] . وقد اقتدى العلماء بهذا المنهج في الرد على المخالفين ، وتوسعوا في ردودهم مقابل اتساع المخالفين . نضج العقلية الإسلامية وبحثها الخلافات الدينية المثارة : تجاوزت الطور الساذج في اعتناقها للعقيدة إلى طور البحث والنظر في مسائل كثيرة كالقدر خيره وشره أو الجبر والاختيار .

--> ( 1 ) انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، مكتبة النهضة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، ط 7 ، 1964 ، ج 2 ، ص ، 1 وكذا د . علي عبد الفتاح المغربي ، الفرق الكلامية الإسلامية . مدخل ودراسة ، مكتبة وهبة ، القاهرة ، ط 2 ، 1995 م ، ص 46 . ( 2 ) انظر الشهرستاني ( ت 548 ه ) ، الملل والنحل ، تحقيق أمير علي مهنا ، علي حسن فاغور ، دار المعرفة ، بيروت ، ط 4 ، ج 1 ، ص 29 .